الفيض الكاشاني

مقدمة 102

علم اليقين في أصول الدين

وتحليتها بالفضائل ، ومتابعة الشرع والتأدّب بآدابه ، وملازمة التقوى وتحمّل الأثقال في طريق الوصال ، وملازمة الذكر في الخلوة حتى يتنوّر القلب ويتخلى من صدء الشهوات النفسانيّة والخواطر الشيطانيّة ، وطلب الحظوظ الدنيويّة ، وتحصل له الجمعيّة ، فتكون الهموم همّا واحدا ، فحينئذ يصير القلب صافيا مستعدّا ، قابلا لأصناف العلوم الكليّة الحقيقيّة ، فتنطبع العلوم النظريّة بحقائقها في مرآة سرّه بأدنى فكرة ، فلا ينظر إلى شيء إلا ظهرت له حقيقته ، ظهورا يجري منه مجرى العيان ، فلو كشف الغطاء ما ازداد يقينا ؛ وهذا من باب الهداية التي تمدّها الإنابة ؛ كما قال اللّه سبحانه : اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ والاجتباء للأنبياء والأولياء والهداية للعلماء . والحكيم ما لم يبلغ هذه المرتبة لا يكون حكيما ، لأنّ الحكمة من مواهب اللّه يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً . والدليل على ذلك كله من الكتاب والسنّة كثير ، قال اللّه تعالى حكاية وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً أي بين الحقّ والباطل . وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا . وفي الحديث : « ليس العلم بكثرة التعلّم إنما هو نور يقذفه اللّه في قلب من يريد أن يهديه » « العلم نور وضياء يقذفه اللّه في قلوب أوليائه وأنطق به على لسانهم » . « الجوع سحاب الحكمة ، فإذا جاع العبد مطر بالحكم » . « من أخلص للّه أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه » « من علم وعمل بما علم ورّثه اللّه علم ما لم يعلم » . وفي كلام أمير المؤمنين عليه السلام : « إن من أحب عباد اللّه إليه عبدا أعانه اللّه على نفسه ، فاستشعر الحزن وتجلبب الخوف ، فظهر مصباح الهدى في قلبه » - إلى أن قال : - « قد خلع سرابيل الشهوات وتخلّى من الهموم إلا همّا واحدا انفرد به ، فخرج من صفة العمى ومشاركة أهل الهوى ، فصار من مفاتيح أبواب الهدى ومغاليق أبواب الردى ، قد أبصر طريقه وسلك سبيله ، وعرف مناره وقطع غماره ، واستمسك من العرى بأوثقها ، ومن الحبال بأمتنها ، فهو من اليقين على مثل ضوء الشمس » . وفي كلام آخر له عليه السلام : « قد أحيى قلبه وأمات نفسه حتى دقّ جليله ولطف غليظه ، وبرق له لامع كثير البرق ، فأبان له الطريق وسلك به